مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
21
تفسير مقتنيات الدرر
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 146 ] سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوه ُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوه ُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ( 146 ) النظم : لمّا تقدّم ذكر المعجزات لموسى وما طلب فرعون من إبطال معجزات موسى بالسحر بيّن في هذه الآية بأنّه يمتنع عن إيصال آياتي المكذّبون والمتكبّرون كفرعون وأمثاله ولا يظهر المعجزات إلَّا على يد نبيّ . وقيل : إنّها خطاب لموسى عن إتمام ما وعده في إهلاك أعدائه وصرفهم عن الاعتراض له أي خذ التوراة واعمل أنت وقومك آمنا على قوّة ولا تخف من عدوّ لك ، وقد صرفت المعارضة عن آياتي الَّتي جعلتها حجّة لك وسوف أصرف . وقيل : الآيتان اعتراض بين قصّة موسى ، والخطاب لمحمّد صلى اللَّه عليه وآله أنّه يصرف المنكرين عن نبوّتك كما صرف فرعون عن موسى . والأشاعرة احتجّوا بهذه الآية على أنّه تعالى يمنع عن الإيمان بظاهر الآية وهذا قول فاسد لأنّه من المعلوم أنّ العقوبة على الكفر بعد خلق الكفر فيهم لا يجوز ولو صرفهم عن الإيمان وصدّهم عنه كيف يمكن ويجوز أن يقول مع ذلك : « فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » « 1 » وفي موضع آخر يقول : « فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ » « 2 » وفي موضع قال : « وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا « 3 » » ؟ فثبت أنّ حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن بل المراد والمعنيّ إعلام النبيّ بمنع أعدائه من إيذائه وأمره بالقيام بما يلزمه في تبليغ النبوّة والرسالة ، وذلك مثل قوله تعالى : « بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ( مِنْ رَبِّكَ ) وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه ُ وَاللَّه ُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » « 4 » . وقال الجبّائيّ : معنى الآية : سأصرف هؤلاء المتكبّرين عن نيل ما في آياتي من العزّ والكرامة المعدّة للأنبياء والمؤمنين عقوبة على كفرهم وكبرهم عليّ . ثمّ من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلَّا بعد سبق الإيمان فإذا تكبّروا وكفروا فقد صيّروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بها فحينئذ يصرفهم عنها ، وأنّ اللَّه إذا علم من حال بعضهم أنّه لا يؤمن بتلك الآيات ويستخفّ بها صحّ من اللَّه أن يصرفه عنها . انتهى .
--> ( 1 ) الانشقاق : 20 . ( 2 ) المدثر : 50 . ( 3 ) الكهف : 53 . ( 4 ) المائدة : 71 .